قصة ” كريسبر ـ كاس9 ” ونوبل 2020 بالتفصيل

بقلم وفاء سطوحي

فازتا الفرنسية إيمانويل شاربنتييه والأمريكية جينيفر دودنا بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2020، وذلك لمساهمتهما في تطوير تقنية المقص الجيني ” كريسبر ـ كاس9 ” ، والتي تمكن الباحثين من تغيير الحمض النووي للحيوانات، والنباتات، والكائنات متناهية الصغر بدقة عالية جدا.

أحدثت هذه التكنولوجيا ثورة في علوم الأحياء الجزيئية، وأتاحت فرصا جديدة لعلاج الأمراض الوراثية، وتطوير محاصيل مقاومة للآفات والجفاف، كما أنها تساهم في محاربة الخلايا السرطانية بدون أي آثار جانبية.

إذا ماذا تعرف عن ” كريسبر ـ كاس9 ”

تعد كلمة  “CRISPR” اختصارا ل  “clusters of regularly interspaced short palindromic repeats” أي “مجموعات من التكرارات المتناظرة القصيرة المتباعدة بانتظام”، وهي عائلة من الحمض النووي المتواجدة في جينومات البكتريا والكائنات الأخرى وحيدة الخلية، فقد تم اكتشافه لأول مرة وتسميته من قبل عالم الأحياء الدقيقة الأسباني “فرانسيس موجيكا” عام 2001.

وتعتبر منطقة متخصصة من الحمض النووي والتي تتميز بخاصيتين هما : وجود النيوكليوتيدات المتكررة والفواصل، فأما عن تسلسلات النيوكليوتيدات المتكررة فيتم توزيعها في جميع أنحاء منطقة “كريسبر”،  وأما الفواصل فهي أجزاء من الحمض النووي تتخللها هذه التتابعات المتكررة .

فمثلا : في حالة البكتريا ، يمكن أخذ هذه الفواصل من الفيروسات، والتي هاجمت الكائن الحي من قبل، حيث أنها تعد بنك للذكريات، والذي يمكن البكتريا من التعرف على الفيروسات وصد هجماتها المستقبلية.

بروتين “Cas9” : هو إنزيم يعمل على قطع الحمض النووي الغريب، يرتبط هذا البروتين بجزيئين من ال RNA هما : crRNA tracrRNA ، يقوما هذان الجزيئان بتوجيه “Cas9” إلى الموقع المستهدف حيث يتم قطعه.

ومن المؤكد الآن عزيزي القارئ أنك تتساءل كيف يمكن ل “Cas9” ألا يخطئ في قطع الموقع المستهدف ؟!

في حقيقة الأمر يرجع ذلك لوجود آلية أمان مدمجة، وهي التي تضمن عدم قطع “Cas9” في أي مكان في الجينوم حيث تعمل سلاسل الحمض النووي القصيرة والتي تعرف باسم PAMs (“protospacer adjacent motifs”)  كعلامات وتمكث بجوار تسلسل الحمض النووي المستهدف، فإن لم يعثر “Cas9” على PAM بجوار تسلسل الحمض النووي المستهدف فلن يتم قطعه، ويعتبر هذا أحد الأسباب الممكنة لعدم قيام “Cas9” بمهاجمة منطقة  “كريسبر” في البكتريا، وذلك وفقا لمراجعة نشرت عام 2014 في Nature Biotechnology.

والآن دعني أخبرك عزيزي القارئ عن التطور الذي أحدثته كل من  Charpentier و Doudna في تقنية ” كريسبر ـ كاس9 ” لتعديل الجينات :

عملت شاربينتييه و دودنا على تحديد الآلية الجزيئية والتي تشارك في دفاع البكتريا ضد الغزاة من الفيروسات المتكررة، فعندما يقرم الفيروس بالمهاجمة، تدمج البكتريا جزءا من الحمض النووي للفيروس في مجموعة  “كريسبر” الخاصة بها .

إذا هاجمهم هذا الفيروس أو هاجم نسلهم مرة أخرى، فإن البكتريا تقوم بنسخ جزء “كريسبر” الذي يحتوي على الحمض النووي الفيروسي (the viral DNA) إلى الحمض النووي الريبوزي (RNA)، ومن ثم يقوم جزئ ال RNA بالتعاون مع جزئ RNA آخر تم تحديده مسبقا بواسطة Charpentier بتوجيه بروتين Cas9 إلى الهدف : DNA المقابل للفيروس يحاول الغزو مرة أخرى، حينها يقوم المركب الجزيئي بدوره كمقص جيني، فيقطع الحمض النووي الفيروسي وبذلك يكون قد نزع سلاحه.

ولتحويل هذا لأداة عمومية بشكل أكثر لتحرير الجينات، قامت شاربينتييه و دودنا بالتعاون مع زملاء آخرين بدمج نوعي الحمض النووي الريبوزي إلى حمض نووي ريبوزي مفرد يدعى الحمض النووي الريبوزي الإرشادي  “guide RNA” ، وقد أوضحوا أن هذا النظام في وجود بروتين Cas9 يمكنه تحديد موقع الحمض النووي والفيروسي وقصه في أنبوب الاختبار.

قد يتضمن تعديل “كريسبر” إزالة بعض الجينات أو امتداد الحمض النووي لكن العلماء اكتشفوا أنه يمكن الاستفادة من آليات الإصلاح الطبيعية للخلية حيث يتم إدخال تسلسل الحمض النووي المصنوع من قبلهم في موقع القطع الجراحي، مما يمكنهم من  تصحيح طفرة معينة أو إضافة شفرة جينية جديدة .

تعد تقنية ” كريسبر ـ كاس9 ” هي أفضل التقنيات لتحرير الجينات.. فلماذا ؟!

منذ السبعينيات استطاع الباحثون استخدام تقنيات تحرير الجينات المعتادة ( القص / اللصق )، وبالرغم من أن هذه الأساليب تستند إلى الإنزيمات البكتيرية والتي تحدث بشكل طبيعي، إلا أنها تفتقر لمستوى الدقة المتواجد في ” كريسبر” ، فهذه الأساليب المعتادة لا يمكنها استهداف الحمض النووي بشكل دقيق، فقد تقوم بقطعها في مكان غير مقصود على طول الجينوم ، وقد يؤدي هذا إلى نتائج غير متوقعة .

فمن الممكن تصميم الإنزيمات لاستهداف تسلسلات أطول بمزيد من الدقة، لكن هذه العملية كانت صعبة ومعقدة للغاية، وذلك على عكس حالتها مع تقنية “كريسبر”، فقد ساعدت سهولة الاستخدام بجعل تقنية “كريسبر” منتشرة في كل مكان، ولا يعني هذا أن تقنية “كريسبر” لاتواجه تحديات، فمن الممكن أن تؤدي إلى تغييرات عرضية، أو تتسبب في حدوث تفاعلات غير مقصودة في الكائنات الحية (يتضمن ذلك الاستجابة المناعية) لذلك يواصل العلماء مسيرتهم في العمل على تطوير إصدارات أكثر تعقيدا من “كريسبر” .

كما أنه ليس بالضرورة أن تكون تقنية “كريسبر” هي الأداة المناسبة لكل وظيفة، وليست آخر كلمة في تقنيات تحرير الجينوم .

يقوم العلماء أيضا باستخدام تداخل الحمض النووي الريبوزي (RNAi) والإنزيمات مثل nucleases الذي يشبه منشط النسخ (TALENs) و meganucleases لإعادة كتابة الجينوم.

يعمل أيضا بعض الباحثين على تطوير أدوات لتعديل الجينوم لا تستغل الآليات الطبيعية للخلايا التي تعمل بها “كريسبر” و TALENs لإصلاح الحمض النووي، لكنهم يستندون إلى طرق يمكنها إعادة كتابة قاعدة واحدة من الDNA في كل مرة.

الخلافات  التي تشكلها تقنية ” كريسبر ـ كاس9

بالرغم من فوائدها، إلا أن البعض قد يسيئوا استخدامها وذلك لأن هذه التقنية قادرة على إنشاء أجنة معدلة وراثيا، لكن منذ سنوات توجد قوانين ولوائح تحظر استخدام الهندسة الوراثية في التعديل على الجينوم البشري بالطريقة التي تسمح بتوريث التغييرات .

ففي عام 2018  أدهش الباحث ” هي جيانكوي ” العالم عندما قال أنه استخدم تقنية “كريسبر” لتعديل جينات الأطفال التوأم وذلك ليتمكنوا من مقاومة فيروس نقص المناعة البشرية، وقد أدان المجتمع العلمي هذا الفعل مما أدى إلى نقاشات طويلة الأمد حول أخلاقيات التحرير الجيني .

يمكن استخدام هذه التقنية أيضا لإنشاء فيما يعرف بمحركات الجينات، والتي تسمح للباحثين بنقل سمة الاهتمام من أحد الوالدين إلى نسله، لكن لم يتم محاولة عمل ذلك إلا داخل المعامل حتى الآن.

كما يود بعض العلماء استخدامها يوما ما للسيطرة على الأنواع الغازية من الحشرات الممرضة في البرية، ولكن قد يصاحب هذا خطر مقلق جدا وهو انتشار الدافع الجيني خارج المجموعة السكانية المستهدفة وخروجها عن السيطرة.

لذلك يعمل الباحثون بحذر شديد عندما يتعلق الأمر بمثل هذه التطبيقات لتقنية “كريسبر” ، لكن لا يمكن إنكار أن تقنية ” كريسبر” والتطور الذي أحدثته كل من  “إيمانويل شاربنتييه و جينيفر دودنا” قد نقل علوم الحياة إلى حقبة جديدة، وجعلنا نتطلع إلى تحقيق اكتشافات كثيرة وغير متوقعة.

لكن يظل هذا السؤال يشغل فكرنا : هل سيسمح يوما ما باستخدام مثل هذه التقنيات للتعديل على الجينوم البشري أم لا ؟!!!!!

لقراءة مقال”تعرف على تقنية تفريغ الدماغ للتخلص من الأفكار السلبيةاضغط هنا

1 1 vote
Article Rating

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
14 أغسطس، 2020

كيف تجعل المال يعمل لأجلك

جميع الحقوق محفوظة

2
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x